السبت، 22 أكتوبر، 2016

هل فشلت الديمقراطية ؟ - الحلقة الأولى

كتب باء

بقلم: بول ترينور
(المقال نقح من قبل المؤلف في 2002 ثم اجرى تعديلات اخيرة في 13-5-2006)
ترجمة بثينة الناصري

الديمقراطية لا تستحق الهالة شبه المقدسة  التي تحيطها. في  اوربا السياسيون المنتخبون ديمقراطيا مثل يورج هيدر وجان ماري لو بان وسيلفيو برلسكوني وأمبرتو بوسي وجيان فرانكو فيني وبيم فورتوين يذكروننا بعيوب الديمقراطية: بمعنى ان دكتاتورية لاعنصرية افضل من ديمقراطية عنصرية. الديمقراطية تنتشر في كل انحاء العالم ليس بسبب فضائلها وانما بالتدخلات العسكرية . واي ايديولوجية كونية ستلجأ الى حروب صليبية وفتوحات، وهكذا فإن الدول الديمقراطية تشعر انه من حقها "نشر الديمقراطية" بالقوة في  الدول الاخرى . وفيما يلي ، تتناول المقالة  المشاكل الاخلاقية و تعريفات الديمقراطية وقضية اللامساواة وعيوب الثقافة الديمقراطية ومضمون الكتلة الانتخابية والتبريرات المعلنة للديمقراطية وبدائل الديمقراطية .
في محيط شاسع هناك جزيرتان متجاورتان : ديمقراطيتان مثاليتان بحقوق مدنية وسياسية كاملة. احداهما غنية جدا ونفوسها 10 ملايين. والثانية فقيرة جدا، ونفوسها 100 مليون نسمة وتعيش على الزراعة. وبعد محصول ضئيل في السنة الماضية لم يعد هناك مخزون من  الطعام. وقد فشل المحصول هذا العام ايضا: هناك 90 مليون يواجهون الموت جوعا . تطلق الدولة المنتخبة ديمقراطيا في الجزيرة الفقيرة نداء استغاثة وتعقد الحكومة المنتخبة في الجزيرة الغنية استفتاء على الموضوع. هناك ثلاثة خيارات: خيار (ألف) زيادة حادة في الضرائب من اجل إقامة مساعدة مستديمة واسعة للجزيرة الفقيرة. الخيار (باء) بعض الزيادة في الضرائب لتمويل مساعدة انسانية  معقولة وعاجلة لتجنب  المجاعة. الخيار (جيم) لا زيادة في الضرائب ولا مساعدة. وحين تعد الاصوات نجد ان 100% من السكان صوتوا للخيار الثالث. فمن يريد ان يدفع ضرائب اكثر؟
إذن سيجوع 90 مليون انسان . وكل اجراءات التصويت في كلا الجزيرتين حرة ونزيهة. الاعلام حر والحملات السياسية حرة. ليس هناك قمع من اي شكل. وحسب النظرية الديمقراطية  يجب احترام نتائج عملية التصويت هذه أيا كانت. لقد التزمت دولتان ديمقراطيتان بالاساليب الديمقراطية: وإذا صدقنا دعاة الديمقراطية فهذه ممارسة مثيرة للاعجاب. ولكن من  الواضح انها ليس كذلك: هناك شيء خاطيء اساسا في قضية الديمقراطية ، إذا كانت تسمح بهذه النتيجة.
ليس من الصعب ايجاد الخلل: لقد استبعد الناس الاكثر تأثرا بالقرار من التصويت. القضية هي تشكيل  )الديموسDemos )  الوحدة الصانعة للقرار في الدولة الديمقراطية : وهو موضوع متكرر في اخلاقيات الديمقراطية. النظرية الديمقراطية يمكن لها ان تشرع مجتمعا سياسيا بشكل جزيرة رفاه ثم تشرع القرارات الانانية لذلك المجتمع. وهذه الاحتمالية النظرية تتوافق مع الدول الديمقراطية الغربية في العالم الواقعي. ملايين من الناس يموتون من الجوع والامراض التي يمكن علاجها ومع ذلك فإن الناخبين في الديمقراطيات  الغنية لن يقبلوا بنقل كبير للثروة الى الدول الفقيرة. لن يقبلوا هجرة كبيرة من تلك الدول ايضا. فقد نمت  علاقة سببية على مستوى عالمي بين  الديمقراطية في الدول الغنية وزيادة الوفيات فيما عداها من بلاد (بسبب المجاعات والاوبئة والامراض)
وهذه ليست المشكلة الوحيدة في الديمقراطية . فرغم الهالة شبه المقدسة هناك الكثير من العيوب الاخلاقية التي تظهر واضحة في الممارسة او يمكن توضيحها بأمثلة افتراضية.
التعامل مع الاقليات ربما تكون من أوضح عيوب الديمقراطية. مابين منتصف الثلاثينات ومنتصف السبعينات من  القرن الماضي، عقمت الحكومة السويدية آلاف النساء تعقيما اجباريا بسبب "العيوب العقلية" او بسبب أن النساء كن متحدرات من "عرق مختلط" . ومع ذلك فالسويد تعتبر دولة ديمقراطية نموذجية طوال هذه الفترة. وقد مورست الديمقراطية : المشكلة ان الديمقراطية لا توفر حماية للاقليات  المهمشة او المحتقرة. والجواب المعتاد للديمقراطيين هي انه يمكن منع  التجاوزات  بتطبيق حقوق الافراد المنصوص عليها بالدستور. هناك مشكلتان في هذا الموضوع:

الأولى – ان الحقوق الدستورية ليست مطلقة: وقد اوضح  الرئيس بوش كيف انه من السهل تجاوز الحماية الدستورية الاساسية بمجرد إعادة تعريف بعض المواطنين الامريكان باعتبارهم (مقاتلين غير شرعيين اعداء) ثم بهذا التوصيف يمكن احتجازهم. وفي كل الاحوال هناك جماعات معينة مستثناة من الحقوق الديمقراطية المعتادة، واشهرهم المهاجرون غير الشرعيين (المزيد عنهم لاحقا) . الحكومة  الاسترالية تحتجز طالبي اللجوء في مخيمات في الصحراء وخطها المتشدد يعكس وجهات نظر ناخبين عنصريين. المحتجزون لا يستطيعون التصويت ولا ممارسة الانشطة السياسية وليس لديهم صحافة حرة ومع هذا تعتبر استراليا دولة ديمقراطية.

المشكلة الثانية – هي ان الحقوق الاساسية تسمح بتضييق واسع. فالتعامل مع الاقليات قاس ومهين بدون الاشارة الى حقوقهم. مثال حديث في هولندة (المقالة معدلة في 2006) هو اقتراح فرض فحص اجباري على الاعضاء التناسلية للاقليات العرقية . الهدف هو مكافحة ختان البنات، وكل الاباء من اصول صومالية  عليهم تقديم  بناتهم سنويا لفحص اجباري للاعضاء التناسلية وقد يشمل القرار الارتيريين والمصريين والسودانيين . لقد حظي المقترح بموافقة اغلبية برلمانية ولكن لم يتحول بعد الى قانون ، ولكن طالما تظل الاقلية الصومالية مهمشة ومحتقرة في هولندة فلا شيء يمنع من تنفيذ المقترح.

وطالما يتم تجنب سياسات معينة وعنف مباشر فإن الديمقراطية تسمح بأن تفرض الاغلبية الديمقراطية ارادتها على الاقلية . يمكن فرض لغتهم وثقافتهم وهذا يعتبر ممارسة عادية في الدول الوطنية. كما يمكن فرض قيم الاغلبية التي قد تكون غيرمقبولة  بالنسبة للاقلية .  مثال  حظر الكحول في الولايات المتحدة الذي فرض بتعديل الدستور وكان نتيجة مباشرة للديمقراطية فقد كان "الكحول حرام" لدى الاغلبية المسيحية المناهضة للكحول وهكذا امكن فرض تحريم ديني لجماعة غالبة من الناس على مستوى عام باعتباره قيمة وطنية.  ومع أن هذا الحظر قد نقض في 1933 ولكن "الحرب على المخدرات" مازالت قائمة منذ 20 عاما. إن حركات الحظر الناجحة حالة  خاصة للانحياز ضد الاقلية في الدول الديمقراطية.

وهناك نتائج أوسع نطاقا تمثل خلل الديمقراطية . مثلا - من الصعب جدا تطبيق فكرة ابداعية او ابتكار تقوم به الاقليات . فمثل العديد من الانظمة السياسية تنحاز الديمقراطية نحو الموجود والقائم ضد المحتمل والممكن. والابتكارات ينبغي ان تمر عبر العملية السياسية وهي عائق ضد الابتكار والتجديد.  
مثال صارخ على مسألة فشل  الابتكار والتجديد في الدول الديمقراطية هو اقامة شبكة سكة حديدية فائقة السرعة في اوربا. وكان  الاقتراح قد قدم في السبعينيات من  القرن الماضي ومنذ ذلك الحين حتى الشبكات الوطنية المقترحة لم تكتمل. وسبب فشل المشروع هو نقص الحماسة السياسية. ولكن هل يجب اهمال هذا  المشروع  المبتكر لمجرد انه ليس هناك ارادة كافية لدى الناس؟ أي أن الابتكار لو لم يصوت له الشعب ديمقراطيا فلا ينبغي ان تنفذه الدولة الديمقراطية؟ مثل هذه القضايا لا تناقشها اصلا النظرية الديمقراطية لأن لها اولويات اخرى معروفة.
من الفرضيات المزعومة  ايضا التي ينادي بها دعاة الديمقراطية هي القول أن الديمقراطية تعني السلام وأن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها، وقد اثبت البحث خطل هذه المزاعم.

++


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق